دار الوثائق المصرية
    English |  الرئيسية | اتصل بنا

لما كان نظام الحفظ المتبع في مصر في العصر العثماني ،والقائم على أساس احتفاظ كل مصلحة بدفاترها وأوراقها، واحتفاظ النظار والكتاب والصرافين بأوراقهم بعد عزلهم أو نقلهم؛ لا يحقق الهدف المرجو في بناء الدولة الحديثة التي أزمع محمد علي بناءها، ولا يمدها بالمعلومات والبيانات ؛ فهداه تفكيره إلى توحيد أماكن الحفظ في مؤسسة واحدة تكون مسئولة عن جمع السجلات والوثائق من كافة المصالح والدواوين والأقاليم، وقد شجعه على ذلك فقدان الكثير من الوثائق المهمة في أكثر من مناسبة: فعندما ثار عليه الجنود الأرناؤود بعدما قام بتخفيض رواتبهم ؛ اضطر إلى الهرب والإقامة بالقلعة؛ فنهبت داره التي كانت بالأزبكية، وفقدت الكثير من المستندات، ومن بينها وثيقة المعاهدة التي وقعها مع الجنرال فريزر قائد الحملة المشهورة باسمه. كما كان الكتخدا (نائب الباشا) يحتفظ في ديوانه بكميات كبيرة من السجلات والوثائق، وقد حدث أن شبَّ حريق في ديوان الكتخدا في 18 من يونيو 1828 ؛ فأتى على ما كان فيه من سجلات ووثائق.

ولذلك كله رأى محمد علي ضرورة إيجاد مكان آمن يحتفظ فيه بدفاتره وأوراقه ، ويكون صالحاً لحمايتها من الحريق والسرقة والتلف، وكانت القلعة هي المكان الأنسب لتحقيق هذه الأغراض؛ فأمر الباشا بإنشاء "الدفترخانة المصرية" في عام 1828م وذلك قبل نحو عشر سنوات من إنشاء دار المحفوظات العامة في لندن Public Record Office ، وبعد نحو ثلاثين عاماً من إنشاء الأرشيف الوطني الفرنسي L’archive National .

وقد بلغت نفقات إنشاء "الدفترخانة المصرية" نحو 500000 قرش، وكانت أول لائحة للدفترخانة تلك التي وضعها الخواجة يوحنا كاتب المصروف، والتي أقرها "المجلس العالي" في 24 من رجب 1245 هـ/ 19 يناير 1830م ، وقد نصت تلك اللائحة على تعيين راغب أفندي ناظر الضربخانة كأول أمين للدفترخانة المصرية. كما نصت على أن يقوم أمين الدفترخانة في نهاية كل عام مالي بجلب الدفاتر التي انتهى العمل فيها بالدواوين والأقاليم وحفظها في الدفترخانة، وعليه التبليغ عن أسماء النظار والكتَّاب الذين يتقاعسون عن إرسال دفاترهم وأوراقهم، وكانت عقوبة هؤلاء حسب اللائحة الجلد 100 سوط. وكان نظام الحفظ يقوم على أساس وضع السجلات والأوراق في صناديق خشبية، ولكن لم تمض عدة سنوات حتى تكدست السجلات بالدفترخانة؛ فصدرت الأوامر بإنشاء عيون خشبية بالمخازن، فتم إنشاؤها بتكلفة 19636 قرشاً.

وكانت الدفتر خانة تابعة لديوان الخديو ، وفي عام 1846م انتقلت تبعيتها إلى ديوان المالية ، فاستعانت بالمسيو روسيه لكتابة تقرير عن نظم الحفظ الفرنسية؛ للاهتداء بها في وضع لائحة جديدة للدفترخانة، وبعد أن قدم روسيه تقريره، قامت "الجمعية العمومية" بوضع لائحة جديدة صدرت في 7 ذي الحجة 1262هـ/ 6 ديسمبر 1846م. وقد نصت تلك اللائحة على إنشاء دفترخانات في المديريات ، وميزت بين أنواع الوثائق والدفاتر ومُدد حفظ كل منها في المديرية ومتى يجب نقلها إلى الدفترخانة، فنصت على بقاء دفاتر الاستحقاقات والأشوان في يد الكتاب لمدة عامين، ثم تسلم إلى دفتر خانة المديرية، فتبقى فيها لمدة عشر سنوات، ثم تنقل إلى الدفترخانة العمومية بالقلعة.

وفي عام 1865م ارتكب أحد كتاب دفترخانات المديريات جريمة تزوير في بعض الوثائق؛ فأمر الخديو إسماعيل بإلغاء دفترخانات المديريات ، وألزم جميع الأقاليم والدواوين بإرسال أوراقهم وسجلاتهم إلى الدفترخانة العمومية بالقلعة. ونتيجةلعدم وجود أماكن بالدفترخانة لحفظ هذه الكميات الجديدة من السجلات؛ تم استخدام سجن القلعة وإحدى المغارات كمخازن للحفظ. وفى عهد الخديو عباس حلمي الثاني تغير اسم الدفترخانة إلى «دار المحفوظات العمومية» وظل مقرها بالقلعة.